كيمياء العلاقة الزوجية

تصنيف أولي: 

لطالما كنت أكره الكيمياء، و للأمانة لم أفهم معنى الذرة و التفاعل الكيماوي و نواتج التفاعل الكيماوي، ناهيك عن المغزى من دراسة التفاعل المتوازن و العناصر الوسيطة المحفزة للتفاعلات، إلا عندما بدأت في محاولة فهم الحياة الزوجية.

من المعلوم أن الذرة تسعى في جميع تفاعلاتها إلى الاستقرار، وهذا الاستقرار يدفعها إلى الانخراط في عدد من التفاعلات الكيماوية التي ينتج عنها مركبات أخرى تبقى فيها الذرة بصفة عنصر مشارك في تركيب مركب ما، وهكذا يخيّل للذرة أنها استقرت، و أن الأمور "تمام التمام “! لكن الحياة الذرية لا تعرف الاستقرار، فالمركب الجديد الذي قدّم للذرة ملاذاً آمناً لفترة ما، ما يلبث أن يضطر هو الآخر إلى الدخول في تفاعل جديد، فالمركبات جميعا تكون عرضة لمختلف أنواع التفاعلات الكيماوية كلما تعرضت لمؤثر جديد، وكلما تغيرت الشروط التي يخضع لها المركب الكيماوي. ، إذا الاستقرار التام وهم عملياً، وستبقى الذرة بحالة نشاط مستمر ـ حتى في أحسن ظروف استقرارهاـ و لسان حالها يقول"مشاوير مرسومة لخطاوينا...نمشيها في غربة ليالينا....يوم تفرحنا... و يوم تجرحنا"! ولأن اهتمام أساتذتي في الكيمياء انصب على تقييم مستند إلى حفظ المعادلات أكثر من فهم طبيعتها، فإنني عندما أقبلت على الدخول في معادلة الزواج بهدف الاستقرار، رحت أردد غيباـ كعادتي عندما كنت أحفظ المعادلات الكيماويةـ المعادلة البسيطة التي تؤمن الاستقرار لكل شاب و أتقنت خطواتها، أنا العريس يضاف إلي العروس، والناتج الأولي للتفاعل يسمى أسرة بلا أولاد، هذا ما أحب أن أسميه المركب الأولي الناتج عن التفاعل. لكنني لم أكن أعلم أن مادة هذا المركب حالها ـ حال معظم المركبات الكيماوية ـ لا تكون في حالة توازن تام،لأنها مبرمجة أصلاً على إنجاز تحويل تلقائي في بنيتها الداخلية، ناهيك عن أنها في بداية تكوينها تكون مادة هشة تتلاطم حولها أمواج من المؤثرات الخارجية التي لا تسمح لها بالاستقرار تبدأ من تحفيز الحماوات للتفاعل بين عناصر المركب الأولي، و انتهاء بتغير الشروط النظامية التي جرى فيها التفاعل الزوجي و التي تكون معظمها مبنية على مجاملات الخطبة، و إخفاء العيوب، و الاستخفاف بالسلبيات، والتركيز على الإيجابيات. هكذا إذا دخل المركّب الأولي للزواج إلى مرجل الحياة، و لولا رعاية الله لبدأ هذا المرجل بالغليان مؤديا إلى ما لا تحمد عقباه. وأخيرا و بسبب هذه الظروف امتلكت الجرأة بعد أن استشعرت ازدياد حرارة المرجل، و أخبرت زوجتي بالحقيقة، حقيقة أنني لم أكن يوما أفهم يوما مدى الترابط بين فلسفة الكيمياء وفلسفة الزواج. و لم أخف ِ عنها رغبتي الجامحة بأن يكون التفاعل بيننا تفاعلا متوازناً، بحيث يشير السهم بالاتجاه المباشر إلى قدرتنا على التفاعل البناء لإنتاج عناصر جديدة قادرة على الظهور لوحدها في الطرف الثاني من المعادلة، و قادرة في الوقت نفسه على العودة إلى أصولها بحيث لا يفسد الاختلاف ـ بيننا و بين العناصر الجديدةـ في الود قضية. و لم أتردد في إبداء مخاوفي من أن يكون التفاعل بيننا تفاعلا غير عكوس منتجا لعناصر جديدة قد لا تعرف يوما ما طريق العودة إلى الجذور. واليوم أفهم معادلة جديدة ليس فيها عريس ولا عروس، و لا شروط نظامية اعتباطية. اليوم أقول لكم أنا أب، معي في التفاعل أم، و عندنا في الطرف الآخر طفل صغير. و الجميل أنني أصبحت و زوجتي ندرس الكيمياء باستمرار، و نعرف الكثير عن ثابت التوازن، ونعرف قانون انزياح التوازن، و الأهم من ذلك أننا نؤكد لكم أن الشروط النظامية لتوازن التفاعل تنحصر في الصداقة و الاحترام المتبادل، أما الحب، فهو العنصر الوسيط الذي أضفناه المعادلة، و لمن لا يعرف معنى العنصر الوسيط أقول إنه العنصر الذي يدخل إلى التفاعل الكيماوي فيحفزه، ويخرج منه محافظا على نفسه دون أن يتأثر.